تحول اجتماعي في بريطانيا: من رواد الحانات إلى منتسبي النوادي الرياضية

لطالما شكلت الحانات التقليدية في المملكة المتحدة مراكز حيوية للنسيج الاجتماعي، حيث لم تقتصر وظيفتها على تقديم المشروبات فحسب، بل كانت ملاذاً يجتمع فيه الأصدقاء بعد انتهاء دوام العمل، وتحتفل فيه العائلات بالمناسبات الخاصة، كما كانت ساحة لعشاق كرة القدم لمشاهدة المباريات المشتركة. ومع ذلك، يشهد المشهد الثقافي البريطاني تحولاً جذرياً في سلوكيات الشباب، الذين بدأوا يبتعدون بشكل متزايد عن هذه الأماكن التقليدية لممارسة أنشطة بديلة لا تعتمد على استهلاك الكحول، مما أدى إلى تغيير في معايير التواصل الاجتماعي والترفيه.
تراجع ملحوظ في أعداد الحانات
أظهرت البيانات الصادرة عن الجمعية البريطانية للبيرة والحانات تراجعاً حاداً في قطاع الحانات، حيث أغلقت ست عشرة مئة وأحدا عشرة حانة أبوابها في إنجلترا وويلز واسكتلندا خلال الربع الأول من العام الجاري، وهو معدل يُعادل إغلاق حانتين بشكل يومي تقريباً. وعلى مدى فترة تمتد من عام الفين إلى عام ألفين واثنين وعشرين، انخفض العدد الإجمالي للحانات بأكثر من ربع نسبتها، حيث تراجع الرقم من ستة آلاف وثمانمائة حانة إلى ما يقارب أربعة آلاف وأربعمئة وخمسين حانة، مما يعكس ضغوطاً هيكلية عميقة على هذا القطاع التراثي.
رغم الإقرار بأن ارتفاع التكاليف التشغيلية والضرائب تشكل عبئاً مالياً على ملاك الحانات، يؤكد خبراء المجتمع أن التحولات في أنماط الحياة تلعب دوراً محورياً في هذا الانخفاض، حيث أصبحت أنشطة مثل الجري الصباحي ولعب كرة البادل وحفلات الرقص في المقاهي تتصدر قائمة خيارات الترفيه لدى الشباب، مما يقلل من الوقت الذي يُقضى في المصايف التقليدية.
تغير قيم "الجيل زد" نحو الإنتاجية
يلاحظ علماء الاجتماع أن شرب الكحول كان لفترة طويلة ركيزة من أركان الطقوس الاجتماعية لدى الأجيال السابقة، حيث كان الذهاب للحانة بعد العمل أو خلال استراحة الغداء أمراً روتينياً بمختلف المهن، وكانت السهرات الطويلة وتصاعد المشاعر الجماعية جزءاً من الهوية الثقافية. بيد أن الوعي المتزايد بالمخاطر الصحية المصاحبة للإفراط في تناول المسكرات، coupled مع تفضيل المشروبات قليلة الكحول أو الخالية منه، أدى إلى تفاقم عملية التغيير السلوكي، خاصة بين أبناء "الجيل زد" الذين يولون أهمية قصوى للرفاهية الجسدية والعقلية.
يرى الباحث توماس ثورنيل-ريد من جامعة لوبورو أن الجيل الشاب يعيش تحت ضغط دائم لتحقيق النجاح وإظهار الصورة المثالية على منصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل الجلوس الطويل في الحانات يُنظر إليه كهدر للوقت وإضاعة للفرص، بدلاً من كونه نشاطاً اجتماعياً مقبولاً. هذا المنظور الوظيفي للحياة يجعل الشباب يميلون لأنشطة تعزز اللياقة البدنية والصحة النفسية، بعيداً عن الآثار السلبية للسهر والإفراط في الشرب التي كانت سائدة في الماضي.
خلال فترة الجائحة، شهدت رياضة الجري ازدهاراً ملحوظاً، خاصة بين الشباب الذين وجدوا في المضمار البديل الأمثل للتفاعل الاجتماعي بعيداً عن الأماكن المغلقة، كما انضم رياضيون كثيرون إلى سباقات مجتمعية مجانية ساهمت في بناء شبكات صداقة جديدة قائمة على الاهتمام المشترك بالرياضة، بدلاً من الروابط التقليدية القائمة على الاستهلاك.
تشير إحصاءات ماراثون لندن إلى أن نسبة المشاركين في الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين عاماً تجاوزت الثلث هذا العام، مقارنة بنسبة لا تتجاوز الواحد والعشرين في المئة خلال العقد السابق، مما يؤكد أن الجري لم يعد مجرد هواية فردية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية سائدة تغيرت فيها أولويات الترفيه بشكل جذري.
كما انتشرت رياضة البادل، التي تجمع بين عناصر التنس والإسكواش، بشكل واسع كخيار اجتماعي شيق يشجع على التفاعل المباشر والمنافسة الودية، مما يعكس تحولاً شاملاً في كيفية قضاء أوقات الفراغ لدى البريطانيين، حيث أصبحت الأنشطة البدنية البديلة تحل محل الحانات كمراكز للتواصل الاجتماعي.
أخبار ذات صلة

إعادة كتابة التاريخ: تحليل الحمض النووي يكشف أن "شامان أبتون لوفيل" كانت امرأة
كشف تحليل الحمض النووي أن هيكل عظمي عمره 4000 عام في بريطانيا، كان يُعتقد أنه لرجل، يعود في الواقع إلى امرأة صائغة ذهب، مما يعيد تعريف أدوار النساء في العصر البرونزي.

روبوت «تيمي» يُجرب في دندي لتسهيل الفحوصات الطبية
روبوت "تيمي" يُجرّب في دندي لتقديم دعم فوري للمرضى أثناء الفحوصات الروتينية، ما يخفف العبء عن الممرضين ويُحسّن دقة القياسات. المشروع يُستند إلى حساسات متقدمة وخوارزميات تعلم آلي، وقد يُوسع استخدامه إلى مستشفيات أخرى إذا أثبت فعاليته.

ثورة في مطابخ النخبة: صعود طهاة التطوير في لندن
يظهر دور جديد في مطابخ المطاعم الفاخرة عالمياً، حيث يختص طهاة التطوير بابتكار أطباق جديدة من الصفر، كما زارت سي إن إن مطعم فالو في لندن لتوضيح هذا التخصص المهني المتنامي.